الخميس، 16 فبراير، 2012

العامر بمصر


يا جلال الأمل..
أكتبُ لك، وهى أول مرة أكتب إلى مَن هو مثلك، ومن ذا الذى هو مثلك؟ .. أكتب عنك لعلنى أدرك أنك، بشكل ما، رَحَلت..

"مش عيب يا سمارة تغرَّق العبارة؟"
أحفظها تمامًا كما كتبتها منذ حوالى عامين، دون مراجعة ولا استذكار. أذكرها رغم أننى مشوشة الفِكر دائمًا، لا يثبت فى ذاكرتى إلا القليل، لأسبابٍ تشبه أسبابك فى الرحيل. كانت بداية معرفتى -الجاهلة- بك، ضحكت كما لم أضحك على شىء يُقرأ من قبل! لأنك المُدهش، المُبهج الذى لن يتكرر. يومها عرفت أن ثمَّ مُبدع اسمه "جلال عامر"، لم نعطِه بعضًا من حقه إلا مؤخرًا. يومها قرأت كلماتك الراقصة، أعدتُ قراءتها على كل مَن بالبيت، ثم تركت الجريدة.. ولا أعرف كم جريدة وكم مقالًا تركت منذ ذلك الحين، تَركَ الجاهل المطمئن للخلود. إلى أن أتت الأيام الأربعة الأخيرة، سمعت بأزمتك، فحاولت أن أتجاهل التركيز عليها، والتفكير فى الاحتمالات بعدها، أنا لا أحتمل ما بعدها! ثم استيقظت أمس فجأة، لسبب لا أعلمه، بعد أن نمت أنت بساعة تقريبًا!.. قالت:
- أقولك خبر وحش؟
-لأ! .... حد مات؟
-آه!
جلال...؟؟
-آه!
-...........

القضية ليست فى موت أحدهم يا عم جلال، القضية أن الميت أحدنا! القضية أننى أشفق من الدنيا، وأشفق عليها، وأشفق على نفسى، عندما أدرك أن قلبك، الملىء عن آخره بالنقاء والابتسامات الصافية، لم يحتمل ما نحن فيه، فأخذ ابتسامته، وأخذ بعضه، ورحل!.. حزنٌ عميق يسرى بقلبى على قلبك، فأقف على شفا حفرة اليأس، ثم أذكر حكمتك التى سرَّبتها إلينا، بالكلمات المباشرة حينًا، وبالابتسامة ذات الألف معنى أحيانًا، تلك الابتسامة الصافية، الخالصة، الصادقة، المصرية، الأصيلة، التى تنشر عدوى التفاؤل وتقديس الأمل كَتَبَسُم الأطفال. أذكر ابتسامتك ناصعة البياض التى طالما قهرت واقعنا الأسود، فأقول لنفسى: عندما نناضل كما ناضلت بروحك وبقلمك، وعندما نتفاءل بقدر تفاؤلك الذى طالما كان منبعَ تفاؤلنا، وعندما نُصِرعلى الابتسام بقدر ما وقفت أنت مدافعًا عن ابتسامتك النقية حتى آخر لحظة، عندها فقط، ربما يكون لنا الحق فى بعض الحزن.

أول معرفتى بك، ختمت مقالك قائلًا: "كنت أظن مثلك أن الأمور كلها سوداء ثم عرفت أن هناك أشياء بيضاء وناصعة عندما رأيت غسيل «أم أحمد»". اليوم أقول لك، وأشهد أمام مَن اختارك فيمن عنده بالأمس: نحن أيضًا، كنا نظن -مثل الكثيرين- أن الأمور كلها سوداء، ثم عرفنا أن هناك أشياء بيضاء وناصعة، عندما رأينا ابتسامتك. وذلك وعدٌ منى.. عندما سنشعر، كمثل شعورك الأخير، أن الأمور كلها سوداء، سنذكرك، ونقرأ كلماتك، ونبتسم. اليوم يحتل الفراغ عمودك، وستظل أنت تحتل الأجزاء البيضاء المتبقية من قلوبنا، ومن فُتات ضحكنا. اليوم أقنت لله فجرًا وأدعو لك، وأعدك أننى، فى المرات القادمة، عندما أقرأ ابتساماتك، لن أترك الجريدة، إلا وقد سألت الرحمن أن يبلغك دعاءى، وسلامى، وتَرَحُمى عليك.

عم جلال! أمانة تدارى أحزانك، وتضحك الشُهداء..