الثلاثاء، 8 مايو، 2012

أنا المالِك

ها قد عُدنا من جديد لتشغيل “الخلَّاط”، عُدنا للتشكيك وللتخوين وللتحريف وللتكليف وللتحريض وللتحقيق وللتهديد! عُدنا للأطراف والاختلاف والأخبار والتحليلات والبيانات والمواقف و”التعليق”! أيها المواطن المصري، ها قد عادوا لتشغيل الخلَّاط -أو المفرمة إن شئت- ونحن بالداخل! سيناقشون ويبحثون ويتحدثون باسمك ويدّعون تمثيلك والشعور بهمومك في كل مكان. سيملأون العالم ضجيجًا بالرأي والرأي الآخر اللذين ليس ضمنهما رأيك على أيةِ حال! سيظهرون في جميع الفضائيات ولن يتركوا صحيفة إلا وصرّحوا لها بذلك الكلام المُعاد الذي أصبحت تحفظه عن ظهر قلب، ولا تُصدق أنه يتكرر من جديد.
ها نحن أمام مأساة جديدة قابلة للاختزال. ها نحن أمام “عدد” جديد من الضحايا، وطرفٌ مجهول منذ شهور. والآن سيأخذ الجميع موقعه من المسرح، ليؤدي كل ذي دورٍ دوره كما حفظ.. المسئولون جاهزون بالجمل النافية لمسئوليتهم، وبالأفعال الماضية للتذكير بأفضالهم. المخطئون جاهزون لتبرير مواقفهم وتعزية أهالي الضحايا. المذيعون جاهزون بضيوفهم للتحليل وللتنظير. المصورون جاهزون بكاميراتهم التي اعتادت الدماء. والصحفيون جاهزون بالديباجات المعتادة والأخبار المُعادة والتصريحات التي أصبحت معروفة دون الإدلاء بها. المهمة سهلة على الجميع. الكل يعرف موقعه ويحفظ دوره إلا أنت أيها الشعب.
لذا حان الوقت أن يقف “الشعب” وقفة مع نفسه، وأعني بالشعب هؤلاء المواطنين الذين هُتِف باسمهم: “الشعب، يريد، إسقاط النظام”، هؤلاء الذين لا يتصدرون الشاشات ليلَ نهار، ولا تُذاع أخبارهم في الصحف، الشعب الذي يحلم بأحلام الثورة: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية”، الشعب الذي قام بالثورة، وهتف وأُصيب واستُشهد دون أن يعرفه أحد. أعني هؤلاء المطحونين في أعمالهم ومواصلاتهم وبيوتهم وآمالهم وطعامهم وشرابهم. علينا -نحن الشعب- الذي لا ينتمي إلا للوطن، أن نعلن أننا من اليوم لن نُعلي إلا مصلحتنا -كشعب- ومصلحة الوطن.
علينا أن نثور على كل هؤلاء الذين يتلاعبون بمشاعرنا وأحلامنا ومستقبلنا وأرواحنا، فيعتبرون الواحد مِنا مجرد ترسٌ في آلة الحشد لمليونياتهم التي لا تنفع سواهم، أو انتخاباتهم التي تُعلى أصواتهم وتكتم أصواتنا، فيعلقون جلساتهم بقرارٍ منهم، دون النظر إلى آمالنا المُعلقة على تلك الجلسات. لنعلن سخطنا على هؤلاء الذين طالما خدعونا بكلامهم المعسول، وطالما ظهروا على الشاشات يضحكون ملء أشداقهم بينما لم تجف دماء أبنائنا ودموع أمهاتهم بعد. لنتبرأ من كل الذين مضينا ورائهم -أو معهم، أو حتى أمامهم- فيما أرادوا، ظنًا مِنا أن مصالحنا مشتركة، أو أنهم سيلتفتون إلى مطالبنا فور تحقيق مطالبهم. لنتخلى عن كل الذين دفعونا للمطالبة بمطامعهم الشخصية ثم تخلوا عنا في أول اختبار.
لنقاطع إعلام اللا إنسانية الذي جعل مِنا أوعية فارغة بما امتلأت به! لنعلن العصيان على مذيعيهم الذين يتحدثون إلينا بهدوووء لا يُسهم إلا في إثارة حنقنا. لنداري وجوهنا عن ضيوفهم الذين يحللون “الأحداث” وكأنها مباريات كرة قدم، بل إنهم لا يتحرجون في أن يقدموا لنا “الكابتن” فُلان وزميله فُلان للتعليق على “الأحداث”. لنكُف عن متابعة نشراتهم التي تستهين بعقولنا ولا تعبأ بأرواحنا. لنتوقف عن مشاهدة مؤتمراتهم وبياناتهم التي تتحدث عن بلاد غير بلادنا. لننكر مواقفهم التي لا تُمثلنا. لننسحب من معاركهم التي استنفدت قوانا وكادت تقضي على أعصابنا و وما تبقي لنا من آمال في الثورة، وفي الحياة.
 عزيزي المواطن.. قبل أن تعلن دعمك لفُلان أو تأييدك لأيٍ من كان، سَل نفسك عن الذي تريده حقًا، وما إذا كان ذلك الشخص الذي قررت دعمه، أو الحزب الذي قررت الانضمام إليه، أو حتى الاعتصام الذي ستتضامن معه، سيحقق لك ما تحلم به أم لا. قف لحظة في منتصف المسيرة، راجع مطالبها، وتذكر مطالبك، وقارن بينهما. سَل عن الذي سيحقق لك حياة كريمة آمنة، ويكفل لك حريتك وكافة حقوقك، فتِّش عما سيجعل شبابنا لا يخشون تكوين حياة أو انجاب أبناء لهذا البلد! سَل عن الذي يجعل أبناءك يمكثون أصلًا في هذا البلد.
يا أيها الشعب الحليم.. هُبوا اغضبوا على هؤلاء الذين لم يملوا يومًا من استغلال احتياجكم والاستهانة بأرواحكم وعقولكم. دعونا نحارب -هذه المرة- من أجل أنفسنا، من أجل ألا نتحوَّل إلى حفنة من عديمي الإنسانية الذين لا يتأثرون لرؤية الدماء على الشاشات، ولا يجزعون لرؤيتها تُراق أمام أعينهم في الواقع. اتركوا لهم “السياسة” ومعاركها غير الشريفة، ودعونا نتمسّك بنُبل الثورة، ونحارب من أجل الإنسانية. حتى لا نصل إلى لحظة نجد أنفسنا فيها طرفًا في معركة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، بل إن كل أطرافها يستحقون بعضهم بعضًا، إلا نحن، لا نستحق ذلك..

3/5/2012

0 تعليقات: