الخميس، 25 أكتوبر، 2012

حتى اهتداء التيه - الرسالة الثانية إلى س

- تصوير س -

عزيزتي س
كُنتُ أعرف.
كل الأشياء التي حدثت وتحدُث، أتوقع مآلها وأمضي.. أستمر فيها وأنا أرى نهايتها عن بُعد. أستمر، وأنتظر، وتحدُث، وحسب.

لا أعرف أي حكاياتك عليّ أن أصدِّق، ما رويتي أولًا، أم ما روَت أختك الكبرى، أم ما كان منكِ في شبه انفجار بدا أنه الحقيقة كاملة؟ حسنًا، سأُصدِّق أحدث التطورات. ليس هذا الجزء الأسوأ. الجزء الأسوأ من الأمر كله أنني لم أعد أتأثر بشيء. لم يضايقني أن تبدأي بالقصة الكاذبة، وتبدأ أختك بقصة كاذبة أخرى، إلى أن أصل لليوم الذي تخبرينني فيه بالقصة الحقيقية، فأسأل.. ألم تقولي كذا وكذا يا س؟ فتجيبي بأنه لم يكن كذلك "الصراحة". كنت أعرف. ما دُهشت، ولم أغضب. الأبشع من ذلك أن قصتك الجديدة أسوأ مما توقعت قليلًا، والأسوأ من كل شيء أنني لم أتوقع مُطلقًا أن تكون تلك طريقتك في سردها. بل لم أتوقع أصلًا أن تأتيني القصة الحقيقية بتلك السرعة. لكنني وقفت في جمود أسمعكِ حتى النهاية، بوجهٍ خالٍ من أي تعبير، وسؤال ساذج عند انتهاء حديثكِ.. "هتعملي إيه دلوقتي؟". ثم مُضيّ بثلاثة وجوه؛ الأول بائس أضناه البحث (كل البحث) - لكِ، والثاني لا يبالي بضياعكما والبحث عن "م" - لأختك الصغيرة (الوجه الجديد بالنسبة لي)، والثالث كالذي لا يبالي بأي شيء لكنه مضى معكما يبحث عنها - لي.

تبًا لتلك الدائرة اللعينة التي ندور فيها دون انتباه منا. قليلًا ما انتبهنا لكوننا ندور فيها، وقليلًا ما انتبهنا أنها نفس الدائرة، فقط لكلٍ طريقته في الدوران. أنا مثلك تمامًا يا س، شديدة التطرف كثيرة التقلبات، أصعد إلى أعلى سماوات الصبر في لحظة ما، وأهبط إلى أسفل درجات الضجر في لحظة أخرى، قد تكون اللحظة التالية مباشرةً. أنت تتمسكين بحكمة الكبار والحذر من الغرباء في البداية، فتخبرينني بقصة مُفبركة عن نفسك، وأنا أتمسك بالحكمة فأخبرك بأنني كنت أعرف (وقد كنت أعرف). تفقدين الصبر وتلعنين العالم بعد بضعة لقاءات، تفصحين بالحقيقة دون حذر، وتعلنين ضجرك جهارًا، وأنا مثلك أعود لأعلن أنني في حقيقة الأمر، وفي نهاية الأمر.. لا أعرف أي شيء.

عزيزتي س..
أعرف أنك لا تستمعين لفيروز، وإن تكن لديكِ فكرة عن الموسيقى فلا فكرة لديكِ عن الموسيقى التي أقصد على الأغلب. لا عليكِ، ربما أحاول لاحقًا أن أكون تلك الرابطة التي ستصل أرضك بالأرض التي أعرفها. المهم، ثمة أغنية لفيروز مُوجهة لصغيرة مثلك، بأن "نُصلي فأنتِ صغيرة، وإن الصغارَ صلاتُهمُ لا تُردُ". فهل بإمكانك الصلاة أيتها الصغيرة؟ من أجل كلٍ منا معًا. "الصراحة" يا س.. تقريبًا لم يعد يمكنك التشبث بي. أنا أحاول التشبث بك، لكنكِ جربتي ذات مرة لم تلحظيها، لديّ يدين لا يمكنهما التشبث أصلًا. ولعلها حكمة الرب. فصلِ من أجل القوة التي يحتاجها كل منّا للتشبث، التشبث في المطلق يا س، دعكِ من التشبث بي. صلِ كي لا تضيع "م" مرة أخرى، كي لا تضيع في المطلق يا س، دعكِ من بحثنا عنها وسط الشوارع. صلِ من أجلي رجاءً. صلِ كي تعود الروح المُسافرة بلا وجهة ولا استئذان، كي تعود لترفعك عن الأرض تمامًا و"تأخذك بالحُضن" من جديد. صلِ كي تملك هي أرضًا ثابتة تحت قدميها، أو تتمكن من التحليق.

هل تعلمين بما أفكر؟ فكرت ذات مرة كيف أنني ربما أقطع الزيارات يومًا ما، لا أذهب إلى حيث أراكِ كل مرة صدفة. بالمناسبة، أكثر ما أحب فيما بيننا، أنني آتي في كل مرة دون موعد، ودون مكان مُتفق عليه بالتحديد، وفي كل مرة أجدك. وأحب أن أتخيل أنكِ لا تعرفين موعدي، ولا فكرة لديك عن مكاني، لكنك دائمًا تنتظرين، ودائمًا تجدينني. فكرت يا س لو أنكِ انتظرتي ذات يوم، ثم لم آتِ. ثم استدركت بعدها بقليل.. أنا أعرف أنني سأكون دومًا هناك، حتى عندما استغرقت في التيه ومضيت دون وجهة، اتجهت إلى حيث أراك كل مرة. أنا سأكون هناك ما دُمت، وكما أنا دائمًا. لكنني "أعرف".. أنني أنا التي ربما تذهب ذات يوم، تبحث، تنتظر، تتوقع مجيئك، وتتوقع عدم المجيء، ثم لا تتوقع شيئًا، ثم أنتِ التي لن تأتي. هذا ما يحدث دائمًا، هذا ما أعرفه، وأراه عن بُعد، وأستمر، وأنتظر..

لكن يومًا ما قبل أن "يحدث"، بعد صلاتك، وبعد محاولاتي، وبعد انتهاء التيه.. سآتي. سأجدك. وسأحمل معي أشياءً لا أعرفها الآن، لكني أعرف أنها ستهبني ابتسامةً نقية من لدُنك. سأُمضي معكِ وقتًا أطول، لا أكترث بالتأكُّد من أرقام الحافلات وترقُّب رقمي المُفضل. أترك لكِ الكاميرا لتقهري الوقت أكثر، وتتركين لي المناديل وكراستك وكتاب العربي، وتندمجين في التقاط اللحظة ومطاردة البهجة. سأقرأ معكِ ومع "م" لوقت أطول، وأرى بنفسي أن قراءة م للقرآن تتحسن، وأن خطكِ يزداد جمالًا بزيادة عمرك كما توقعت. سأضحك من أعماقي بينما أشاهدك تتجولين بحجمك الضئيل بين الناس، تلتقطين صورهم بعشوائية أرى كم هي ساحرة عند مراجعة الصور، وعلى وجهك إحدى ابتساماتك الرائعات؛ ابتسامة مَن تعرف الفرق بين أن يقول لها الناس "شاطرة"، أو أن يقولوا بأن س "حلوة". بالمناسبة أنتِ الاثنان معًا يا س، شاطرة وحلوة يا عزيزتي. سأجمع رسائلي وأسلمها لكِ، حتى لو أنكِ لن تفهميها الآن، لكنها ملكٌ لكِ. وربما أتحسن قليلًا فلا تأتي الرسائل التالية محملةً بهذا الكم من التشوُّش والضياع. صلِ من أجل ألا تأتي بقية الرسائل بهذا الضياع.

الأجمل من كل شيء يا س.. حرصي في آخر مرة على أن تعرفي اسمي. لعلك تذكرينه في المرة القادمة، أو لا تذكرين، لا يهم، تكفيني ابتسامتك عند مفاجأتك كل مرة، تكفي تمامًا.
- لما حد يقولك ابتسمي يبقى عايزك تعملي إيه؟
- أضحك
- أهو أنا اسمي ابتسام

 صلِ يا س.. من أجل أن آتيك في مرة قادمة.. بابتسامة نقية رغم كل شيء كابتسامتك.

الجمعة، 12 أكتوبر، 2012

تجاعيد الشَعر والعُمر - الرسالة الأولى إلى س

صورة بعين وضغطة إصبع س

عزيزتي س..
دعكِ من الاختصار، مازلت أذكر اسمك، تمامًا كما تذكرين بعتاب ما قلت عنكِ لصديقة كانت بجانبي حين ناديتك باسمك المرة الماضية، ورأيت على وجهك ملامح الدهشة الجميلة وابتسامة المفاجأة لمعرفتي بك. هل تعلمين يا عزيزتي منذ متى لم أندهش؟ هل تعلمين كم اسمًا وشيئًا واجب الذكر يسقط من ذاكرتي يوميًا؟ دعكِ من هذا أيضًا، أنتِ لا تعرفينني لتدركي أنني فقدت الدهشة والذاكرة في مكانٍ ما منذ زمن بعيد. لكنكِ تمكنتي اليوم من دفعي إلى حافة الاندهاش وعمق الابتسام الذي قد لا يبدو في الملامح لكنه موغِلٌ في الداخل، عندما شرحت لكِ أنني لم أقصد إيذاءك بما قلت يومها، وذكَّرتُكِ بما دفعني لقوله، فأذعنتي بعد قليل من الكَلِم في صمتِ مَن يُنصت ويفهم ويعترف ويُسلِّم.. على العكس من أختك التي جلست تنفي ثم تنفي مجددًا، وتؤكد عدم صحة اتهام لم أقربه! هل تعلمين منذ متى لم يفهمني أحد بطريقتك تلك؟

عزيزتي س..
على الرغم من قِصَر المدة التي أقمتيها ها هُنا، على هذه الأرض، إلا أنكِ تفهمين كل شيء! يبدو لي أنكِ تفهمين حتى أكثر من أختك التي تكبرك بـ.. لا أعلم كم عام على وجه التحديد، سأعرف منكِ في صدفتنا القادمة.. ربما لأن هذه الأرض ليست واحدة؛ على أرضك تتعلمين في بضع سنوات ما لا يتعلمه غيرك لو عاش قرنًا في أرضه. نعم، على الأغلب ليست أرضًا واحدة. هكذا تبدو من بعيد، لكنها ليست أرضًا واحدة التي نعيش عليها.. قد ينخدع الناظر إلينا وأنت تجلسين بقربي، ونحن نضحك معًا، وأنتِ تمسكين بذلك الشيء الأسود خاصتي الذي يعتبره الجميع "نشازًا" وجزءً غريبًا من المشهد يخافون أن تتلفيه، وأنا أحصي معك ما بعتي من المناديل وألتقط تلك العملة التي سقطت منكِ أثناء العد، وأنتِ مصممة على توديعي إلى آخر نقطة يمكنك بلوغها قبل أن تُسرع الحافلة فلا تسطيعي النزول.. في كل مرة سيُدهشون قليلًا ويبتسمون قليلًا -البعض يبتسم أكثر- لكنهم في النهاية مدركون أنني من أرضٍ وأنتِ من أرض. مهما جلسنا معًا تروي لي قصتك وأخبرك بأن لا قصة لي. في النهاية سيعتبرون المشهد غريبًا، وذلك الشيء الأسود نشازًا..

بالمناسبة، ثمة صورة لكِ عليه، غفلنا عن مسحها مع البقية التي طلبتي أن تُحذف. أعدكِ ألا يراها أحد. أنا لست صحفية يا س، ولا يمكنني خيانتك حتى إن كنت. يا عزيزتي لم يرَ أحد ما صممتي أنتِ على رؤيته على ذلك الشيء عندما مررنا به صُدفة ونحن نستعرض ما التقطتيه بأصابعك الصغيرة وعينيك التي تعرف.. أنتِ تتشبثين بالصدفة وتسطيعين التشبث بكُلّي إلى حدٍ لا يمكنك أن تتصوريه. أنتِ فقط مَن باتت الآن تعرف كيف تبدو تجاعيد الشعر المُتعمدة، وهذا أمر لو تعلمين عظيم.

هل أخبرتك أنها كانت أول مرة أرغب في تحسس وجنتي بعد قبلة، حينما طبعتي قبلتكِ عليها وتركتي الحافلة؟ حسنًا، مازالت لدينا الكثير من الصُدف لنلتقي وأخبركِ ربما عن كل شيء. وحتى اللقاء القادم إليك ذلك النبأ، لقد كان وقعُ قبلتكِ الصغيرة تلك أجمل من أجمل شيء يُنتظر منكِ أو من أيُّهم.. ربما كانت أروع قبلة باغتتني في حياتي يا س.
 
 

الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

تجويف


تعريف التجويف.. فراغات
تفتح على بعضها شبابيك
تتقن أياديها التشبيك
تقطَع أورِدة المسافات
توصِل بعضها، توصَل ليك
تغرق فيها وتغرق فيك
تبقى مجوّف من جواك
واقع داخل حفرة نفسك
ماتعودتش حد يشدّك
ولا طايل أمداد في سَمَاك
فـ انت وحظك والمراجيح
زي ما هتودِّيك الريح..
هتروح....
مرة هتسكت
ثم هتسكت
ثم هتنسى طريقة البوْح
ثم تبوح
ثم تعود وتعيد الكرّة
تِقطَع مرة وتوصِل مرة
والتجويف بيزيد جواك
أحيانًا بيبان من برة
 تسأل نفسك تعريف نفسك؟
تتكعبل.. تنزل في الحفرة
تصرُخ، تسمع رَجْع صداك
بيصيح في جميع الاتجاهات:
"تعريف التجويف.. فراغات"